السجون غير المرئية: سيكولوجية "الطفل الذهبي" و"كبش الفداء" داخل الأسرة
نحو أسرة ترى "الإنسان" لا "الدور"
- لا تنتهي القصة بمغادرة المنزل. هذه الأدوار تلاحق الأفراد في حياتهم المهنية والعاطفية
بقلم: د. أبي عادل القاسم.
هل تساءلت يوماً لماذا يخرج من البيت الواحد طفلٌ يراه الجميع “ملاكاً” لا يخطئ، وآخر يُحمّل وزر كل عاصفة تمر بها العائلة؟، هذا هو الطفل الذهبي وذاك هو كبش الفداء.
في الكثير من الأسر التي تعاني من خلل في ديناميكياتها، لا ينمو الأطفال كأفراد مستقلين، بل يتم “توزيع أدوار” عليهم في مسرحية نفسية معقدة لم يختاروا التمثيل فيها.
هنا، لا يصبح الطفل “نفسه”، بل يصبح “الوظيفة” التي يحتاجها الوالدان لتحقيق توازنهما الهش.
المسرح العائلي: عندما يصبح الحب مشروطاً
في الأسرة الصحية، يُقبل الطفل لذاته، بكل عيوبه وميزاته. أما في الأسر التي تسيطر عليها النرجسية أو الهشاشة النفسية للوالدين، يتحول الأبناء إلى أدوات لخدمة الصورة الذاتية للأب أو الأم.
يطلق علم النفس العائلي مصطلح “نظام الأدوار الجامدة” على هذه الحالة، حيث يبرز دوران محوريان هما: الطفل الذهبي (The Golden Child) وكبش الفداء (The Scapegoat).
هذه الأدوار ليست مجرد تفضيلات عابرة، بل هي آليات دفاعية يلجأ إليها الوالدان لإدارة قلقهم الخاص، مما يخلق شرخاً نفسياً عميقاً يمتد أثره لعقود.

أولاً: الطفل الذهبي.. بريق في قفص من ذهب
للوهلة الأولى، يبدو “الطفل الذهبي” هو الرابح الأكبر. هو الامتداد المثالي لأحلام الوالدين، والشخص الذي يُغدق عليه المديح والفرص. لكن، خلف هذا البريق تختبئ مأساة صامتة.
اندماج الهوية:
لا يُسمح للطفل الذهبي بأن يكون له رأي مخالف أو شخصية مستقلة. أي فشل منه يُعتبر إهانة شخصية للوالدين. لذا، يعيش هذا الطفل في رعب دائم من فقدان “عرشه” إذا ما أظهر طبيعته البشرية الناقصة.
الكمال القاتل:
يطور هذا الطفل شخصية “مثالية” (Perfectionism) تؤدي به لاحقاً إلى الاحتراق النفسي. هو لا يشعر بالحب، بل يشعر بأنه “مقبول” طالما أنه يحقق الإنجازات.
العلاقات الهشة:
في الكبر، قد يجد الطفل الذهبي صعوبة في إقامة علاقات سوية، لأنه اعتاد أن يكون “مركز الكون” من جهة، ومن جهة أخرى يفتقر إلى معرفة ذاته الحقيقية بعيداً عن تصفيق الآخرين.

ثانياً: كبش الفداء! حاوية النفايات العاطفية
على النقيض تماماً، يقف “كبش الفداء”. هو الطفل الذي يُلقى عليه لوم كل إخفاقات الأسرة. إذا تعطل جهاز في المنزل، أو توترت العلاقة بين الزوجين، يُخلق سيناريو يكون فيه هذا الطفل هو السبب بطريقة ما.
امتصاص التوتر:
وظيفة كبش الفداء هي “توجيه الغضب”. بدلاً من أن يواجه الوالدان مشاكلهما الزوجية، يتحدان في “تأديب” أو انتقاد هذا الطفل، مما يمنحهما شعوراً زائفاً بالاتحاد والسيطرة.
التمرد كصرخة استغاثة:
غالباً ما يتبنى هذا الطفل سلوكيات عدوانية أو انسحابية، ليس لأنه “سيء”، بل لأنه استبطن الصورة التي رسمتها الأسرة له. “إذا كنتم ترونني سيئاً، فسأكون كذلك”.
القوة المختبئة:
للمفارقة، يشير المعالجون النفسيون إلى أن كبش الفداء غالباً ما يكون هو الشخص الأكثر صدقاً واستبصاراً في الأسرة. هو الوحيد الذي “يرى” الخلل ولا يجمّله، ولذلك يتم نبذه.

ثالثاً: الصراع بين الإخوة.. سياسة “فرق تسد”
ان أخطر ما تفعله هذه الديناميكية هو تدمير الرابطة بين الإخوة. يُستخدم الطفل الذهبي “كأداة قمع” ضد كبش الفداء (انظر إلى أخيك، لماذا لا تكون مثله؟)، مما يولد حقداً وغيرةً لا ذنب للأطفال فيها. هذا الانقسام يمنع الإخوة من الاتحاد ضد التلاعب الوالدي، ويجعلهم في صراع دائم على الفتات العاطفي.
التبعات النفسية في مرحلة البلوغ: “الاستيقاظ من الدور”
لا تنتهي القصة بمغادرة المنزل. هذه الأدوار تلاحق الأفراد في حياتهم المهنية والعاطفية:
كبش الفداء في الكبر:
قد يستمر في اختيار بيئات عمل أو شريك حياة يمارس عليه نفس الاضطهاد، لأنه يشعر داخلياً بأنه يستحق اللوم. لكنه في المقابل، يمتلك فرصة أكبر للتعافي لأنه غالباً ما يكون أول من يلجأ للعلاج النفسي هرباً من الألم.
الطفل الذهبي في الكبر:
قد يعاني من أزمة هوية حادة عند أول فشل مهني، أو يعيش في قلق دائم من “انكشاف أمره” بأنه ليس مثالياً كما يعتقد الجميع.
رابعاً: طريق التعافي.. كسر القيد
كيف يمكن التحرر من هذه الأدوار المفروضة؟
التعافي ليس رحلة سهلة، لكنه ممكن عبر الخطوات التالية:
الوعي بالدور:
الاعتراف بأن “هذا ليس أنا، بل هو الدور الذي أُجبرت على لعبه”. التمييز بين شخصيتك الحقيقية والملصقات (Labels) التي وُضعت عليك في الطفولة.
وضع الحدود:
بالنسبة لكبش الفداء، التعافي يبدأ بوضع حدود صارمة مع أفراد الأسرة الذين يستمرون في ممارسة اللوم.
وبالنسبة للطفل الذهبي، يبدأ بامتلاك الشجاعة ليكون “عادياً” ويرتكب الأخطاء.
إعادة بناء العلاقة بين الإخوة:
إذا كان هناك نضج كافٍ، يمكن للإخوة الجلوس والاعتراف بأنهم كانوا ضحايا لنظام واحد، مما يمهد الطريق لتحويل المنافسة إلى دعم متبادل.
العلاج النفسي:
العمل مع متخصص لفهم “التروما” المرتبطة بالنشأة وإعادة بناء تقدير الذات بعيداً عن أحكام الوالدين.
نحو أسرة ترى “الإنسان” لا “الدور”
إن الأسرة هي المحضن الأول للروح، وعندما تتحول إلى مسرح لتوزيع الأدوار القسرية، فإنها تترك ندوباً لا تُرى بالعين المجردة.
إن كسر حلقة “الطفل الذهبي” و”كبش الفداء” يبدأ بوعي الوالدين بأن أبناءهم ليسوا ممتلكات، وليسوا شاشات لعرض نجاحاتهم أو تفريغ إخفاقاتهم.
في نهاية المطاف، يحتاج الطفل الذهبي أن يعرف أنه “محبوب حتى لو فشل”، ويحتاج كبش الفداء أن يوقن أنه “جدير بالاحترام حتى لو أخطأ”. عندها فقط، يمكن للأطفال أن يخلعوا أقنعة الأدوار، ويرتدوا ثوب الحقيقة، ليعيشوا حياة تخصهم هم وحدهم.
بقلم 🖋
أبي عادل القاسم الجاك
اختصاصي ومعالج نفسي
رقم العيادة الاونلاين واتساب
00249116071234